أبي طالب المكي

293

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

الله تعالى : * ( كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ في الأَيَّامِ الْخالِيَةِ ) * [ الحاقة : 24 ] ، فكأنهم أسلفوا ترك الشهوات لما تركوها ، وقدموا الجوع والعطش في خلو أيامهم فاستقبلهم بالأكل والشرب . ويقال : لكل عمل جزاء في الآخرة من جنسه وبمعناه . وقال سري السقطي : منذ ثلاثين سنة أشتهي أن أغمس جزرة في دبس وأنا أمنع نفسي . وكان أبو سليمان الداراني يقول : ترك شهوة من شهوات النفس أنفع للقلب من صيام سنة وقيامها . وقال : لأن أترك لقمة من عشائي أحبّ إليّ من قيام ليلة ذلك إيثارا للتقلل وخفة للعدة من الطعام أو خشية الاعتياد للشبع . وسمعت أبا بكر بن الجلاء يقول : أنا أعرف إنسانا تقول له نفسه : أنا أصبر لك على طيّ عشرة أيام وأطعمني بعد ذلك شهوة أشتهيها . فيقول لها : لا أريد أن تصبري على طيّ عشرة أيام ، ولكن اتركي هذه الشهوة التي تشتهيها . وقال لي رجل : رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فأخذ بجلد ذراعه وجعل يقول : جعت هذا الجوع كله ؟ ولم يقل لي اترك الجوع . ولو قال لي : اتركه لعله كان يتركه . وقد كان رحمه الله قد ترك أكل الشهوات وأكل الخبز أيضا ثلاثين سنة . وكان الجنيد رحمه الله يقول : يقوم أحدهم في صلاته فيجعل بينه وبين الله تعالى زنبيل طعام ، ويريد أن يجد حلاوة المناجاة ، أو يسمع فهم الخطاب . ومثل البطن مثل الزهر وهو العود المجوف ذو الأوتار ، إنما حسن صوته لخفته ورقته ، ولأنه أجوف غير ممتلئ ، ولو كان ثقيلا جالسا ممتلئا لم يكن له صوت . وكذلك الجوف إذا خلا من الامتلاء كان أرقّ للقلب وأعذب للتلاوة وأدوم للقيام وأقل للمنام . وروي عنه أنّ عتبة الغلام قل لعبد الواحد بن زيد : إنّ فلانا يصف من قلبه منزلة لا أعرفها . قال : إن فلانا لا يأكل التمر وأنت تأكله . قال : فأنا إن تركت التمر وأكله عرفت تلك المنزلة . قال : نعم وغيرها . فأخذ يبكي فقال له بعض أصحابه أبكى الله عنك أعلى التمر تبكي ؟ فقال عبد الواحد : دعه فإن نفسه عرفت صدق عزمه في الترك ، هو إذا ترك شيئا لم يعاود فيه أبدا . وكان بعض أشياخنا ترك أكل الخبز الحار لأن كان يحبه ويشتهيه سنين كثيرة فعوتب في ذلك فقال : لو طمعت نفس في أكل الخبز عشرين سنة ما أطعمتها الساعة ، وكان ربما يبكي من شدة شهوة نفسه وشدة عزم مجاهدته لاستشعار نفسه صدقه وحسن وفائه ، فتيأس من شهوتها آخر الدهر . فكذلك كان يقع عليه البكاء للإياس من المشتهي . واعلم أنّ الشهوات لا حدّ لها . ومثل القوة مثل العلم ذو حدود . فكم من شهوة دنية منعت رتبة علية ، فإن لم تقطع الشهوات وتحسمها أحبّ ما كانت إليك أعطتك أرغب ما تكون فيها ، فلا تقعد عن التوبة تنتظر آخرها ، فإن النفس لا آخر لشهواتها إلى أن ترى الملائكة فعند ذلك تمحي صفاتها فتغيب الشهوات لأنها من أوصافها ، فإن لم تترك